ترامب تصريحه نابع من القوة أم من حكم القانون ...؟
دراسة قانونية في أخطر تصريح رئاسي في بداية عام 2026
التصريح الصادر عن رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب بشأن إعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج فنزويلا أثار عاصفة سياسية وقانونية غير مسبوقة، ليس فقط بسبب خطورة الإدعاء ذاته، بل لأن التصريح صدر عن أعلى سلطة تنفيذية في دولة عظمى، ما يفرض التعاطي معه بجدية قانونية لا بإعتباره خبراً إعلامياً عابراً.
هذه الواقعة الخطيرة سواء ثبتت مادياً أم بقيت في إطار التصريح السياسي، تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بقيمة التصريحات الرئاسية في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، وحدود السيادة، وحصانة رؤساء الدول، وطبيعة النظام الدولي القائم.
أولاً : القيمة القانونية لتصريح رئيس دولة في القانون الدولي :
يُعد رئيس الدولة ممثلاً رسمياً للإرادة السيادية، وتصريحاته تُنسب مباشرة إلى دولته وتُكيف على أنها إقراراً سياسياً رسمياً، وقد ترتقي إلى قرينة قانونية إذا دعمتها وقائع مادية لاحقة، لكن في المقابل لا يُعد التصريح وحده دليلاً قاطعاً على وقوع فعل دولي جسيم ما لم يُدعم بتأكيدات رسمية مؤسسية، وأثار ميدانية ملموسة، أو إعترافات متبادلة من أطراف أخرى.
وعليه حسب رأي القانوني، فإن تصريح ترامب يتمتع بقيمة قانونية عالية، لكنه غير مكتمل الأثر القانوني ما لم تثبت الواقعة مادياً.
ثانياً : التكييف القانوني في حال ثبوت الواقعة :
إذا ثبت أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت فعلاً بإعتقال رئيس دولة ذات سيادة داخل إقليمه ونقله قسراً إلى خارج بلاده، فإن هذا الفعل يُكيف قانونياً على النحو الآتي :
١. إنتهاك صارخ لمبدأ سيادة الدول المنصوص عليه في المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة.
٢. إستخدام غير مشروع للقوة وفق المادة (2/4) من الميثاق، حتى وإن لم يكن الإستخدام واسع النطاق عسكرياً.
٣. خرق صارخ للحصانة الشخصية لرئيس الدولة، وهي حصانة مطلقة أثناء تولي المنصب، لا تسقط حتى في حال توجيه إتهامات جنائية.
٤. إختطاف دولي منظم وهو سلوك محظور بموجب القانون الدولي العرفي والقانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان.
٥. فعل عدواني محتمل إذا ترافق مع دخول قوات مسلحة أو سيطرة مؤقتة على منشآت سيادية.
ثالثاً : غياب أي أساس قانوني أستثنائي :
لا يوجد في القانون الدولي ما يجيز هذا الفعل إلا في حالات ضيقة جداً، من بينها :
١. تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي.
٢. موافقة الدولة المعنية.
٣. تنفيذ أمر صادر عن محكمة دولية مختصة كمحمة الجنايات الدولية.
وفي حال عدم توفر أي من هذه الشروط، فإن أي تبرير سياسي أو أخلاقي لا يغيّر من عدم مشروعية الفعل قانونياً.
رابعاً : في حال عدم ثبوت الواقعة :
أما إذا لم تثبت الواقعة وبقيت في إطار التصريح، فإن الخطورة لا تزول، لأن إطلاق مثل هذا الأدعاء من رئيس دولة كبرى يُعد تهديداً ضمنياً بإستخدام القوة، ويقوّض مبدأ الإستقرار الدولي، ويُسهم في تطبيع خطاب كسر السيادة كأداة سياسية، وفي هذه الحالة يكون التصريح بحد ذاته سلوكاً غير مسؤول دولياً حتى دون وقوع الفعل.
سواء ثبتت واقعة الإعتقال أم لم تثبت، فإن العالم يقف أمام سابقة خطيرة جداً :
إن صحت نحن أمام إنتهاك جسيم للقانون الدولي وخرق صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني والمعاهدات والإتفاقيات الدولية المعنية بالأمن والسلم الدولي ويهدد النظام العالمي.
وإن لم تصح نحن أمام تسليح للخطاب الرئاسي وتقويض لمفهوم السيادة.
وفي الحالتين، فإن أخطر ما في الأمر ليس فقط الفعل، بل تطبيع فكرة أن القوة يمكن أن تحل محل القانون وهو ما يضعف النظام الدولي ويعيد العلاقات بين الدول إلى منطق الغلبة لا الشرعية.
المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات




