الحكومة تسدد ديون الجامعات فهل ديون مؤسسة المتقاعدين العسكريين خارج سلم الأولويات؟
د . بسام روبين يكتب …
إن قرار الحكومة القاضي بتسديد المتأخرات المالية المستحقة على الجامعات الرسمية يعد خطوة إيجابية في الإتجاه الصحيح، ويحسب لأي إدارة عامة تسعى إلى تصويب الإختلالات المالية ومعالجة تراكمات الماضي، لا سيما حين يتعلق الأمر بقطاع التعليم العالي الذي يشكل ركيزة دستورية وتنموية في بناء الدولة الحديثة، وأحد أعمدة الإستثمار في رأس المال البشري.
غير أن الإشادة بالقرار لا تغني عن طرح تساؤل وطني مشروع ، أين تقف المؤسسة الإقتصادية والإجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى ضمن خارطة الأولويات المالية للحكومة؟ وهل تشمل المعالجات القائمة جميع المؤسسات التي ترتبط بحقوق مكتسبة وإلتزامات قائمة على الدولة بموجب أنظمة وتشريعات نافذة، أم أن المعالجة ستبقى جزئية وإنتقائية؟
إن طرح هذا السؤال لا يأتي في سياق المفاضلة بين قطاع وآخر، ولا في إطار التقليل من أهمية الجامعات أو دورها الحيوي، وإنما في إطار التأكيد على ضرورة إعتماد معيار موضوعي وشفاف في ترتيب الأولويات، بما ينسجم مع أحكام الدستور الأردني التي كرست مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه، وأوجبت على الدولة الوفاء بإلتزاماتها المالية وفق أسس العدالة الإدارية وتكافؤ الفرص.
فالمتقاعد العسكري لم يكن يوما عبئا على الدولة، بل كان في طليعة حماتها وصمام أمانها. والمؤسسة التي تعنى بشؤونه الإقتصادية والإجتماعية تؤدي دورا تنمويا يتجاوز البعد الرمزي، إذ توفر فرص عمل وخدمات لآلاف الأسر، ما يجعل إستقرارها المالي مسألة ذات بعد إجتماعي وإقتصادي وأمني، وليس مجرد بند في جدول الحسابات.
ومن زاوية قانونية وإدارية بحتة، فإن أي معالجة إنتقائية للديون أو الإلتزامات، مهما كانت مبرراتها الفنية، قد تفسر على أنها غياب لرؤية تكاملية في إدارة الملف المالي العام، خصوصا إذا لم تقترن بخطة زمنية معلنة لمعالجة بقية الإلتزامات المستحقة على الخزينة أو الجهات ذات العلاقة ، فالعدالة المالية لا تعني التسوية الفورية الشاملة لكل الملفات دفعة واحدة، وهو أمر قد لا تسمح به الإمكانات الواقعية، لكنها تقتضي كحد أدنى وضوحا في الرؤية، وشفافية في ترتيب الأولويات، وجدولا زمنيا معلنا يطمئن جميع الأطراف إلى أن حقوقهم ليست خارج الحسابات ولا رهينة للإجتهادات الظرفية.
ولعل من المناسب التأكيد أن تكريم المتقاعدين العسكريين لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات الوطنية والخطابات الرمزية، خصوصا ونحن على أبواب يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين، بل يجب أن يترجم إلى سياسات مالية واضحة تمكن المؤسسة المعنية بشؤونهم من أداء دورها بكفاءة وإستدامة، بما يحفظ كرامة رفاق السلاح ويعزز الإستقرار الإجتماعي لهم ولأسرهم.
والرسالة المقصودة هنا ليست إعتراضا على قرار تسديد ديون الجامعات، بل دعوة إلى مقاربة شاملة وعادلة تعالج جميع الملفات المالية بروح واحدة ومعيار واحد، إتساقا مع مبادئ المشروعية، وحسن الإدارة، والعدالة في توزيع الأعباء والحقوق.
ويبقى الأمل معقودا على أن تضع الحكومة خطة واضحة ومعلنة لمعالجة ما تبقى من إلتزامات، وعلى رأسها الديون المترتبة لمؤسسة المتقاعدين العسكريين، بما يحقق التوازن بين القطاعات، ويعزز الثقة العامة في عدالة القرار المالي، ويؤكد أن الوفاء لمن خدموا الوطن ليس شعارا، بل إلتزاما دستوريا وأخلاقيا ثابتا.
حمى الله الوطن، وأنصف رجاله المخلصين.
العميد المتقاعد
الدكتور بسام روبين




