كل من يعمل يُشمل.. القاعدة المفقودة في معدّل الضمان !


أنباء الوطن -

الخبير موسى الصبيحي

 

بينما ينهمك الكثيرون في مناقشة التفاصيل الفنية لمشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي الذي جاء أساساً لدعم استدامة النظام التأميني وحماية العاملين، تظهر لنا “فجوة تشريعية” تهدد جوهر النظام التأميني وتُخلّ بالأسباب الموجبة لتعديل القانون، فالمشروع الماثل حالياً أمام لجنة العمل النيابية لا يزال يفتقد للقاعدة الذهبية التي يقوم عليها أي نظام حماية اجتماعية حديث هي قاعدة: “كل مَنْ يعمل.. يُشمَل”.

 

فجوة التغطية: تأثير سلبي مزدوح على الحماية والاستدامة

 

إن بقاء شرائح واسعة من القوى العاملة خارج مظلة الضمان ليس مجرد خلل تأميني بسيط بل هو استنزاف لمنظومة الاستدامة. وإضعاف لمنظومة الحماية، فنحن أمام خطر مزدوج:

 

الأول خطر اجتماعي: إذ إن ترك مئات الآلاف من العمال وأصحاب الأعمال الحرة، وعمال “اقتصاد الظل” لا سيما وأن أغلبيتهم من الفئات الضعيفة والهشّة اجتماعياً واقتصادياً، بلا حماية، يعني تحويلهم مستقبلاً إلى عبء مباشر على صناديق المعونة الوطنية والمؤسسات الخيرية عند انقطاع عملهم وفقدانهم للكسب في حالات الشيخوخة أو العجز أو الوفاة.

 

الثاني: خطر مالي: إذ يعتمد نظام الضمان على “التدفقات النقدية” من المشتركين الجدد لتمويل الالتزامات الحالية. وغياب هذه الكتلة الضخمة من المشتركين يعجل بظهور “الفجوات الإكتوارية” التي بدأت تلوح في الأفق، كما أظهرت مؤشرات الدراسة الإكتوارية الحادية عشرة.

 

فخ “التجزئة” واقتصاد المنصات:

 

يبدو أن مشروع القانون المعدّل للضمان وقع في فخ “التجزئة”، حيث اكتفى بالنموذج التقليدي للشمول (منشأة وموظف)، متجاهلاً التحولات الجذرية في سوق العمل. وكان يفترض أن يتضمن نصوصاً واضحة صريحة ملزمة بشمول الفئات التالية:

 

١) العاملين في اقتصاد المنصات (Gig Economy): عمال التوصيل والنقل الذكي.

 

٢) العاملين المستقلين (Freelancers): وهم المشتغلون عن بُعد والأعمال الحرة.

 

٣) العاملين في القطاع الزراعي والمنزلي: وهو قطاع لا يزال يعاني من ضبابية كبيرة في إنفاذ القانون.

 

لماذا “الشمول الكلي” جزء مهم من الحل؟

 

بعيداً عن العاطفة، فإن توسيع المظلة يحقق فوائد اقتصادية استراتيجية من أهمها:

 

أولاً: الإسهام في حوكمة الاقتصاد الوطني: من خلال دعم تحويل الاقتصاد غير الرسمي إلى اقتصاد رسمي خاضع للرقابة، ومُعزّز لحماية العاملين فيه.

ثانياً: تعزيز العدالة التنافسية بين المتشآت: من خلال وقف تهرّب المنشآت عن شمول عامليها بأحكام قانون الضمان، ومنعها من الحصول على ميزة غير عادلة بتقليل الكلف على حساب المنشآت الملتزمة.

 

ثالثاً: تمكين شريحة أكبر من العاملين من الوصول إلى أمن الدخل التقاعدي بما يحقق حياة كريمة لهم ولأسرهم.

 

لذا من المهم عند النظر إلى معالجة اختلالات النظام التأميني لمؤسسة الضمان، أن لا نقتصر على إجراء “جراحة مؤلمة” للقانون تمسّ شريحة واسعة من المشتركين والمنتفعين، بل لا بد من عمل مخطّط بعناية من أجل توسيع قاعدة الشمول بظلة الضمان، في صلب القانون، وربما كان هذا هو التعديل الجوهري “المفقود” اليوم.