ما يخفيه سجال عون وبري
د. راشد الشاشاني
لم يرتفع صوت الرئيس اللبناني عاليا في وجه بري الذي اضطر الى الرد عليه بطريقة توضّح معها عمق الخلافات مرة واحدة ، بل خضع الى ميكانيكا التسارع مع قطع المسافات ، بمعنى ان الامر لم يكن وليد لحظته ، إنه كشفٌ مفاجيء فرضته رياح تضخم حجم الصبر الى حد الانفجار ، لكن الصبر في مشهد كهذا لم يكن بين فريقين احدهما يطلب والاخر يعطي ، بل كان بين عدّة فرقاء ، كل منهم يعطي دون ان يحصل اي منهم على شيء ، لا بل عليه ان يتحمل مقدارا متصاعدا من حجم الخسارة التي سببتها قيادة ؛ بات الفرقاء بتصارعون في افلات دفّتها بدلا من الامساك بها ، وحمْل لعنة ربما لن تزيلها تعاويذ اي تفاهم مهما كان نطاقه .
حين استبَقت المبعوثة الامريكية السابقة " اورتاغوس" قدومها - الذي كان يخطط لمصير كهذا - بصورة تحكي جمالها ؛ لم تكن تبتغي من وراءها سوى تأمين قبول نفسي لدى من افترضت انهم سيقاتلونها بشراسة ، وربما لم يخطر ببالها هذا اصلا ، في هذه الأثناء ؛ لم تكن تتوقع حتما ان هناك من راح ينشغل بمطابقة هذا الجمال الذي حملته الصورة على ارض الواقع ؛ بطريقة سمحت لها بتمرير موقف لبناني متلوّن بالوان يفوق عددها عدد الوان مساحيق تجميلها ، ومتليّنا بطريقة تفوق ليونة تمايلها ، لم يكن " الاخ الاكبر " وحده من اجرى تجاربا في مختبر المطابقة هذا " قولك حلوة متل الصورة " . لقد انساق لبنان الرسمي في اتجاه التعامل بالامر الواقع ؛ الذي فرضته سياسة امساك العصا من المنتصف ، التي قادت الشارع اللبناني الى حد القول : " الخط الازرق رح يوصل للبترون " .
لقد اودت سياسة العصا هذه بلبنان الى مصير تصنيفه في خانة " المراوغ " او " الكذاب " وفقا لما كان يفيد به براك ؛ ظلت مبعوثيّة الولايات المتحدة تسير مع لبنان على هذا الطريق ، بعد ان تبينت من خلال السير جميع اشارات التحذير فيه ، لم يكن هذا التحذير لمصلحة لبنان ، لقد كان في مصلحة قصم التحالفات وشق الصفوف ، الذي وجد نفسه فيه " نبيه بري " أخاً أكبر لا يجيد إدارة مهمّته هذه ، لم يتوقف الامر عند هذا الحد ، بل تعدّاه إلى أن هذا الدور تطلّب منه الابتعاد عن حليفه حزب الله ؛ ابتعادا ولو كان جزئيا إلّا أنّه جزء نهائيّ بلا عودة ، تشكّلت حالة اللاعودة هذه حين راح " بري " مستعملا أقوى لحظات ضعف حزب الله ، بعد هدنته قبل الأخيرة ، لصالح السير في ركب رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة ، الذي حوّل مركزه من حليف للحزب إلى أخٍ أكبر ؛ عليه أن يقدّم أخاه قربانا لخصمه في عيد الالتقاء مع المصالح ، التي ظنّ هؤلاء جميعا في هذه المصالح ، ومعهم كلّ التيّارات السياسية ؛ بما فيها حزب الله ، انها ستكون افضل سيناريوهات الخروج من ضائقةٍ ضاغطة بين دعم إيراني وهجوم إسرائيلي .
لم يتنبّه هؤلاء جميعا أنّ ما هو آت لا رجوع فيه ، بمعنى أن تغيّر المواقف بعد تفويت ضرورة اللحظة لن يعود بهم الى مرحلة ما قبل الضغط ، إنها مرحلة مغايرة تماما ، تلك التي يقف على متاعبها الجميع ، لقد تغيّر ماضي تمرير الوقت والدخول في هدنة تسمح باجراء اتصالات وتثبيت أوضاع ؛ ولو بسيطرة إسرائيلية على نقاط ومواقع ، وإن ببعض المناوشات أو الاغتيالات ، التي رأى فيها الجميع رصيدا احتياطيا يمكن العودة إليه وصرفه في أي وقت وأيّة مرحلة .
وقف نبيه بري اليوم موقفا لم يكن لا بحسبانه ولا بحسبان رئيس جمهوريته و لا رئيس وزراءه ، مشهد اليوم : الذي تعمل فيه السعودية بمسار مستقل عن المسار الأمريكي من حيث التمهّل في القبول بأي لقاء لبناني إسرائيلي ، او تفاوض ، على خلاف رغبة الولايات المتحدة - ومعها اسرائيل - التي تريد لهذه التفاهمات ان تقف عند حدّ معيّن ، هذا الحد يجب ان تضمنه ايّة مرحلة تصل إليها التفاهمات ، سواء باتفاق امني ، مفاوضات ، او اتفاقية سلام ، وهو حد تدخّل عسكري إسرائيلي في الاراضي اللبنانية ؛ تكون الحكومة اللبنانية صاحبة ختم الموافقة عليه ، علينا ان نتنبّه الى فارق النظرة والهدف من هذا بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وضع كهذا : لم يعد يسمح لرئيس مجلس النواب باستمرار العمل كمفصل التقاء أمام التضادّ السعودي الأمريكي الإسرائيلي ؛ الذي يسير فيه الرئيس عون في جانب الصفّ الأمريكي ؛ وفقا لاتصالاته وتصريحاته التي استعمل فيها قدرته كرئيس ؛ لتصويب سلاح التخوين الى حزب الله ، الذي شعر أنّه بات وحيدا ، حين اضطر إلى التظاهر بطريقة لم ترُق لبرّي ، الذي سُرّب عنه نيّته القيام بتظاهرات مضادة .
لقد وجد أطراف المعادلة اللبنانية أنفسهم في عزلة تبقي كلاّ منهم على حدة ، أزاحت حالة الإنغماس في وداد المعقول رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى صفّ الولايات المتحدة ، وخانة تلقي تهمة الخيانة ؛ التي ألصقها به حزب الله ، وازاحت نبيه بري إلى الصفّ العربي ؛ الذي فصله بحكم الضرورة عن صفّ ايران ، ولو بقيت العلاقة في حدود قبول هذا العربي بذاك الإيراني ، ونقصد مرونة هذا الفصل ؛ ما يعني أنّ برّي أنهى بذاته خدماته مع حزب الله ، قبل ينهيها الحزب ، في ذات الوقت الذي بقيت فيه باقي القوى تقف موقف المتفرّج ، الذي يتوقّى لومه ويرفع العتب عنه بأقلّ ما يمكن ؛ من خلال مشاركته في الحكومة التي لا يظهر فيها عند التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل سوى رئيسها .
خجل هذه الاطياف السياسية ؛ لم يمنعها من التفكير في علم الانقلاب على الثابت ، فاذا قلنا : إنّها حاولت الإستفادة من تفكير نبيه برّي بتشكيل قطب جديد من خلال التحالف مع صفّه العربي بقيادة السعودية ، حين بدأت كلماته الناعمة تزحف إليها قبل ان يزحف هو شخصيا ، نقول في المقابل ان زيارة كزيارة وليد جنبلاط إلى سوريا يمكنها الاستفادة من درس كهذا ، سيّما مع ارتفاع أسهم العلاقات السعودية السورية ، وهنا يمكننا التساؤل حول هذا التركيب في مشهد لبنان اليوم - بعد أن نذكّر بأنّ العودة إلى الوراء باتت مستحيلة - هل يمكن ان يدخل جنبلاط مع برّي في علاقة تحالفية من خلال نقاط الوصل هذه ، أم أنّها ستكون تنافسية بحيث تكون المعادلة : من سيأخذ مكان من ؟ وهو ما يعني حكما تبدّلا في موازيين حسابات لبنان القديم ، الذي ظنّ شركاء مسيرة التنسيق منذ البداية حتى لحظة الهجوم على بعضهم " عون ، سلام ، بري " أنّهم ناجون بما يفعلون ، لم يكن إلغاء أو تأجيل اللقاء الثلاثي الأخير بينهم مجرّدا عن كونه لغما من ألغام حقل المخاطر هذا ، ومثل تمادي إسرائيل في خرقها كذلك ، تضاعفت المتاعب مع التسريبات الإستخباراتيّة الإسرائيليّة حول خطر عملية التفاوض على حياة الرئيس عون، لقد نجحت إسرائيل إلى أبعد حدّ في شقّ الصف اللبناني ، وتحويل مجهوده إلى تصفية الفرقاء فيه بعضهم بعضا ، برّي يقف موقف المتّهم في خطر الاغتيال هذا " وضع الخطر وليس العملية " من جهة حزب الله : يكون قد سار في الأمور إلى حد عدم تقدير مآل التنازل ، ومن جهة السلطة : عدم قدرته ضبط الحليف والأخ الأصغر .
عودة إلى الى سياق إسرائيل فيما يخصّ عقد إتفاق " تفويض رسمي " ليس الّا ، سواء أكان اتفاقا أمنيّا او معاهدة سلام ، يمكننا تأسيس رأينا على حقيقة : أنّ الظروف لم تتغير ولا بايّ مستوى ، لم تولد قوة لبنانية جديدة قادرة على سحب سلاح حزب الله ؛ إسرائيل تعرف ذلك جيدا ؛ ولا يمكنها بالتالي الركون إلى اتّفاق لا يستطيع الطرف الآخر تنفيذ عمود التزامه فيه ، تدرك " إسرائيل نتنياهو " ذلك وهي تعدّ لحظات بقاء ترامب في الرئاسة من جهة ، ومتاعب نهاية حرب إيران ومفاجآتها ، وانعكاس ذلك على النفوذ الإيراني من جهة ثانية .
بعد انزلاق برّي إلى مرحلة خسارة الحزب والسلطة الرسمية معا ، ومحاولة تبديل ساحة النفوذ بالانفتاح على السعودية ، و رفض أو تأجيل اللقاء الثلاثي في بعبدا ؛ تحت سطوة هذه الحسابات ؛ التي بات يرى فيها الجانب العربي أنّ التوغّل أكثر في نفق الولايات المتحدة ؛ لا يعني سوى فتح جبهة صدام جديدة مع ايران ؛ تمنع هذه الجبهة الجديدة من انقلاب في التاريخ الكلاسيكي في التعامل معها بما يسمح معه هذا الانقلاب من تشكيل جبهة جديدة ، ربما لن تكون مضادّة للولايات المتحدة ، يكفي بالأقلّ أن تكون صادّة لهجمات سيطرتها .
تحسّست الولايات المتّحدة هذه المخاطر في أجواء محاولة تشكيل قوة إسلاميّة تضمّ باكستان وتركيا والسعوديه وغيرها ، مع أنّها دول ترتبط مع الولايات المتحدة بعلاقات جيّدة ، يبدو أن اختيار باكستان وسيطا لم يكن لهدف أسمى من هدف شقّ الصفّ في غير جهة الصراع ، علاوة على استعمال باكستان جسراً يمكن الوصول من خلاله إلى الحدّ من التعمّق في تعاون باكستاني سعودي في مسائل لا تروق للولايات المتحدة ؛ من خلال الالتزامات التي يفرضها موقع الوسيط على باكستان، مثلا في حال شكّلت علاقة باكستان بالسعودية رادعا لإيران من استهداف السعوديّة ، تكون الولايات المتحدة قد خسرت حكما مقبضا يعدّ الأقوى والأهمّ في تبادليّة من يصنع الخوف ومن يقدّم الأمن .




