زيارة الملك إلى الصين: الاقتصاد أم تحوط إستراتيجي مبكر؟
تبدو زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين اقتصادية من حيث الشكل: وفد وزاري، ولقاءات مع الشركات، وجولات في شنغهاي وشينجن، مدينتي الصناعة والتكنولوجيا، وحديث عن التصنيع والذكاء الاصطناعي والسياحة، لكن خلف الأرقام والاتفاقيات تظهر محاولة أردنية مبكرة لقراءة عالم تتغير فيه مراكز القوة وتتراجع ضمانات الاستقرار، ولم يعد ممكنا للأردن أن يضع كل خياراته الاقتصادية والسياسية، وربما الأمنية، في سلة واحدة.
وتعرفوا إلى الأردن، والغاية ليست تعادلاً فورياً، بل رفع الصادرات الأردنية، وتحويل جزء من الواردات إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل.
ولأن عمان تتوقع أن مستوى الاهتمام الأميركي والغربي بالمنطقة لا يمكن افتراض ثباته إلى الأبد، بينما ستظل الصين معنية بالشرق الأوسط بوصفه مصدراً رئيسياً للطاقة وسوقاً لمنتجاتها.
لذلك، فإن قراءة الملك للتحولات العالمية تقود إلى تنويع شراكات الأردن الاقتصادية والسياسية، وربما إلى تعاون أمني محدود، لتخفيف ارتدادات الصراعات الكبرى، لكن ذلك لا يعني التخلي عن الولايات المتحدة والغرب، فهذه علاقات مؤسسية تشمل الدفاع والاستخبارات والتجارة والتعليم والمساعدات، وتمنح المملكة قدراً كبيراً من الثبات الإستراتيجي، فالصين، في هذا السياق، شريك إضافي، وليست بديلاً للولايات المتحدة، وعليه، فإن زيارة الملك إلى الصين تتجاوز تصحيح الخلل الاقتصادي إلى بناء سياسة خارجية أكثر استعداداً لعالم يتراجع فيه اليقين، فمراكز القوة تتعدد، والتجارة والطاقة والتكنولوجيا تتحول إلى أدوات نفوذ لا تقل أثراً عن القوة العسكرية، لذلك، لا يذهب الأردن إلى بكين وفي نيته مغادرة واشنطن، ولا يبحث عن تحالف بديل، بل يضيف إلى حركته الدولية مساحة جديدة وطبقة من التحوط لحساب استقراره ومصالحه المستقبلية.
وقد يكون الاقتصاد عنوان الزيارة، لكن سياقها الأعمق هو التحوّط الإستراتيجي المبكر، وهذه الاستباقية مكّنت الأردن من حفظ توازنه في منطقة تحترق بالصراعات، من دون الابتعاد عن حلفائه، فالتحوط ليس استدارة نحو محور جديد، بل للاستعداد لعالم لا يكفي فيه حليف واحد أو سوق واحدة لحماية الدول الصغيرة، ويبقى الاختبار الحقيقي ترجمة التفاهم مع بكين إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.




