هل سيصبح الشرق الأوسط بعد سقوط طهران : بوابة " الزمن الإسرائيلي " ؟
أنباء الوطن -
لنضع المشاعر والعواطف جانباً، ولنبتعد بالحديث عن الطائفية والمذهبية، ولنغلق أبواب الأيديولوجيا قليلاً، ولنغلق مراكز الدراسات والأبحاث المتخصصة بحوار الأديان والتقريب بين المذاهب، ولنمارس لعبة ذهنية قاسية، لكنها ضرورية لفهم طبغرافيا الأرض ألتى نقف عليها، دعونا نفترض جدلاً ما يتمناه البعض سراً أو علناً : سقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا سمح الله، وتفكك تلك المنظومة الحاكمة المعقدة في طهران، رغم أن قراءة المعطيات العسكرية والتماسك الداخلي والألتفاف حول القيادة والحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية تشير إلى أستحالة ذلك حالياً، لكن، ماذا لو حدث " المستحيل "...؟ وماذا لو أستيقظ الشرق الأوسط والدول العربية والإسلامية صباح الغد الثلاثاء بلا " إيران " كقوة مركزية وبلا قيادة " كفنزويلا " ...؟.
يخطئ من يظن أن صباح اليوم التالي الأربعاء لسقوط طهران سيكون صباح الحرية والأزدهار للمنطقة؛ بل سيكون، وبحسابات الورقة والقلم، الصباح الذي يُعلن فيه رسمياً تحوّل الشرق الأوسط وبعض الدول العربية إلى " مستعمرة إسرائيلية " كاملة الأركان، وتتحول فيه الدول العربية من لاعبين (ولو جزئياً) إلى أيتام إستراتيجين، مكشوفي الظهر تماماً أمام غطرسة لا يحكمها رادع.
وهم " العدو البديل "... حقيقة الهيمنة المطلقة :
المعضلة الكبرى في العقل السياسي العربي الساذج تكمن في تصوّر أن زوال النفوذ الإيراني سيُفسح المجال لعودة " القيادة العربية " للمنطقة، هذا وهمٌ قاتل، فالسياسة لا تعرف الفراغ، وحين يسقط الجدار الشرقي الضخم الذي تمثله الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لن يحل محله نظام عربي هش، بل ستتمدد القوة الوحيدة الجاهزة تكنولوجياً وعسكرياً لملء هذا الفراغ : الكيان الصهيوني.
إن إسرائيل لا تخشى النظام الإيراني لأسباب دينية أو طائفية أو مذهبية فحسب، بل تخشى " الدولة الإيرانية " ككتلة بشرية ( أكثر من 92 مليون نسمة) بعد مصر، وكمساحة جغرافية تتجاوز (1,648,195كم مربع) بعد السعودية، مهيمنة على مضيق هرمز، وكمقدرات صناعية وتكنولوجية وعلمية مستقلة، سقوط إيران يعني أن إسرائيل لن تعود مضطرة لتقديم تنازلات لأحد، ولن تكون بحاجة لـ " تحالفات " مع العرب ولا توقيع إتفاقيات سلام جديدة لمواجهة الخطر المشترك، حينها، ستفرض تل أبيب أجندتها الإقتصادية والعسكرية والأمنية بالأمر المباشر، لا بالتفاوض، لأنها ببساطة : "سيد الساحة الوحيد".
تفتيت الجغرافيا : كرة النار المتدحرجة :
سقوط السلطة المركزية في طهران لا يعني تغيير نظام سياسي بآخر ديمقراطي وادع، بل يعني إنفجار " الفسيفساء الإيرانية "، نحن نتحدث عن سيناريو تفكك الدولة إلى كانتونات عرقية وقومية متناحرة، وهو الحلم الذهبي للأستراتيجية الصهيونية ( وثيقة " عوديد ينون " لتفتيت الشرق الأوسط نموذجاً ) وخلق شرق أوسط جديد حسب عقيدتهم التلموديه.
هذا التفتيت لن يقف عند حدود فارس؛ فالنيران ألتي ستشتعل في أطراف إيران واقصد هنا جيرانها، ستحرق ثوب المنطقة بأكملها، الفوضى في المناطق الكردية الإيرانية ستشعل تركيا والعراق، والأضطراب في بلوشستان وخوزستان سيخلق بؤر توتر تمس أمن الخليج العربي مباشرة، ستتحول إيران من " دولة حادة " إلى " ثقب أسود " يبتلع إستقرار جيرانه، ويصدر ملايين اللاجئين، والسلاح المنفلت، مما ينهك الجيوش العربية والتركية لعقود قادمة، بينما تراقب إسرائيل المشهد من أبراجها العاجية، تدير الفوضى وتبيع " خدمات الحماية " للمذعورين.
العرب : من منافسين إلى تابعين :
لعل أقسى ما في مشهد " ما بعد إيران " هو وضع الدول العربية، وتحديداً الخليجية، فوجود إيران قوية " حتى وإن كانت خصماً " يمنح هذه الدول هامش مناورة وهامش أهمية لدى الغرب ولدى إسرائيل نفسها، العرب اليوم يستمدون جزءاً من أهميتهم الإستراتيجية من كونهم " خط الدفاع " أو " الحليف الضروري "، فبمجرد سقوط هذا الخصم، يفقد العرب ورقتهم الرابحة، لماذا ستحتاج واشنطن أو تل أبيب لتدليل الحلفاء العرب أو تزويدهم بأحدث الأسلحة وبناء قواعد عسكرية بها إذا أنتفى الخطر الوجودي ...؟، سيتحول العرب في المعادلة الدولية من " شركاء ضروريين " إلى " مخازن طاقة " و" أسواق إستهلاكية " خاضعة للشروط الإسرائيلية، بلا أي قدرة على الرفض أو المساومة، كمراقب ومتابع للشأن الإيراني وخاصة ما يجري الآن بإيران، سقوط إيران سيجعل العواصم العربية مكشوفة الظهر، يتيمة الظهير، لا تملك إلا أن تقول " نعم " للمشروع الصهيوني الذي سيتمدد من النيل إلى الفرات، إقتصادياً وسياسياً، دون أن يطلق رصاصة واحدة.
مسك الختام :
إن الحكمة السياسية تملي علينا أن نقرأ الخارطة بتمعن شديد وبعين المصالح المصيرية لا بعين المشاعر والعواطف، فبقاء إيران قوية ومتماسكة داخلياً هو الجدار الأخير الذي يمنع الطوفان الصهيوني من إغراق المنطقة بأسرها، إن الحياد في معركة الوجود هو إنتحار بطيء، والتفريط في التوازن القائم لن يفتح أبواب الحرية، بل سيشرع الأبواب لهيمنة مطلقة لا تبقي ولا تذر.
ولعل أبلغ ما يختصر مأساة من يكسر ترسه بيده، أو يفرّط في خطوطه الدفاعية الأمامية ظناً منه أن الحياد سينجيه، هو ذلك الدرس الخالد.
حمى الله الأردن قيادة حكيمة نفتخر ونعتز بها وحكومة رشيدة وشعباً عظيماً .
المحامي الدولي فيصل الخزاعي الفريحات

