الأردن يغرق كل شتاء فمن نحاسب؟
أنباء الوطن - د. بسام روبين يكتب..
في كل شتاء، ومع أول منخفض جوي، لا يحتاج الأردنيون إلى نشرات الطقس ليعرفوا ما الذي سيحدث.
فالمشهد بات محفوظا عن ظهر قلب ، فهنالك
شوارع تتحول إلى أنهار، وأنفاق تغلق، بينما مركبات تحتجز، ومنازل تغزوها المياه ، ثم تبدأ الرواية الرسمية المعتادة ،
المنخفض إستثنائي، وكميات الأمطار غير مسبوقة، والجهات المختصة تعمل على مدار الساعة.
لكن السؤال الذي يرفض الغرق، ويطفو كل عام من جديد، هو ،
إذا كان المنخفض يتكرر ، فلماذا يتكرر الفشل؟
فالمطر لا يفاجئ أحدا.
فالأردن بلد يعرف موسمه المطري ، وتاريخه المناخي ، وتضاريسه القاسية.
وما يفاجئ الناس حقا هو أن الدولة، بكل مؤسساتها وخططها وإستراتيجياتها، تبدو وكأنها تختبر للمرة الأولى كل شتاء ،
وكأن شبكات تصريف المياه لم تصمم أصلا لوجود الماء ،
وكأن الطرق شقت لتغرق ،
وكأن التخطيط العمراني جرى بمعزل كامل عن الجغرافيا ، وما هو
أخطر من الغرق نفسه، أن الغرق لا تشمله العدالة.
فهناك مناطق تنجو غالبا، وأخرى تترك لمصيرها.
ففي غرب العاصمة، تصمد البنية التحتية نسبيا أمام منخفضات قاسية،
بينما تغرق أحياء كاملة في شرقها، وفي المحافظات، بمنخفضات أقل شدة.
وهنا لا نتحدث عن غضب الطبيعة، بل عن فوارق في التخطيط، وتفاوت في الإنفاق، وإختلال واضح في أولويات الدولة. ومع ان
المسؤولية لا تقع على جهة واحدة،
لكن هذا لا يعني أن الجميع أبرياء.
فالبلديات مسؤولة عن شبكات التصريف وصيانتها،
ووزارة الأشغال عن الطرق والعبارات،
ووزارة المياه عن الأودية والحرم المائي،
والحكومات المتعاقبة مسؤولة عن التخطيط، والرقابة، والمحاسبة.
ومع ذلك، لا نرى بعد كل كارثة مسؤولا واحدا يسأل ،
لماذا فشل المشروع؟
ومن صمم؟
ومن نفذ؟ وراقب؟
ومن وقع على الإستلام؟
وهنا بيت القصيد ،
فالمشكلة ليست هندسية فقط، بل سياسية وإدارية بإمتياز.
فحين تغيب المحاسبة، يصبح الخطأ مقبولا.
وحين يكافأ الفشل بالصمت، يتحول إلى نهج.
وحين تختزل الكارثة في بيان إعلامي، فإنها لا تعالج ، بل تؤجل حتى الشتاء القادم.
والحديث عن منخفضات غير مسبوقة ، لم يعد مقنعا.
فغير المسبوق هو إستمرار النهج نفسه .
فمشاريع تنفذ بأقل كلفة لا بأعلى جودة،
ودراسات تعد على الورق لا على الأرض،
وصيانة تؤجل حتى تقع الكارثة. ووزراء لا بجيبون على الهاتف ،
ثم، كالعادة، تغلق الملفات بإنتظار المطر التالي.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح هو ،
متى ستبدأ المساءلة؟
من يحاسب من سمح بالبناء في مجاري السيول؟
ومن يحاسب من نفذ عبارات لا تتحمل نصف ما تشهده البلاد اليوم؟
ومن يحاسب من يعلم أن الشبكات فاشلة ويتركها حتى تغرق المدن؟ ومتى يتجاوب الوزراء مع المواطنيين ،
فالأردن لا يغرق بسبب المطر،
بل بسبب غياب القرار الجريء بمحاسبة المقصرين،
وبسبب إستمرار ثقافة الواسطة والمحسوبية في التعيينات غير المؤهلة،
على حساب الكفاءة، والخبرة، والمسؤولية.
وما لم تكسر هذه الحلقة،
سيبقى الشتاء إختبارا تفشل فيه الدولة،
ويدفع المواطن ثمنه من أمنه، وماله، وأعصابه.
وسيشهد الأردن شتاءا آخر ،
لكن السؤال الأخطر ،
هل ستشهد البلاد
مساءلة حقيقية؟
أم ستغرق مرة أخرى ؟
العميد المتقاعد
الدكتور بسام روبين

