صوت العلم في وجه الغدر.. الزيتونة الأردنية تقف للوطن


أنباء الوطن -

 

بقلم: د. يوسف المواضية

في موقف وطني وإنساني يعكس رفض العنف بكل أشكاله، وتجسيدًا لرسالة المؤسسات التعليمية في حماية المجتمع وتعزيز تماسكه، نظّمت جامعة الزيتونة الأردنية وقفة تضامنية تنديدًا بالجريمة التي شهدتها قرية حمَود في محافظة الكرك، والتي استهدفت أناسًا كانوا يشيّعون جنازة، فتحوّل موقف الوداع إلى مأساة دامية هزّت المشاعر وأثارت الألم في النفوس.

وجاءت الوقفة تعبيرًا عن تضامن الجامعة مع أهالي الكرك وذوي الضحايا، وتأكيدًا على أن الاعتداء على الأبرياء مرفوض أخلاقيًا وإنسانيًا ووطنيًا، وأن أمن الأردن واستقراره ووحدته الوطنية ثوابت لا تقبل المساومة. كما عكست موقف الجامعة الرافض لكل أشكال العنف والتطرف، وإيمانها بأن التكاتف المجتمعي والوعي الوطني يشكلان أساسًا في مواجهة الأحداث المؤلمة وصون النسيج الاجتماعي الأردني.

وفي كلمة حملت أبعادًا إنسانية ووطنية عميقة، استحضر رئيس جامعة الزيتونة الأردنية ألأستاذ الدكتور محمد المجالي، حجم الفاجعة التي شهدتها محافظة الكرك، مستهلًا حديثه بوصف المشهد المؤلم الذي واجهه المشيّعون، إذ قال:

إن الجريمة النكراء التي وقعت لم تخطر على بال أناس كانوا يشيّعون جنازة، فإذا بهم يواجهون موتًا آخر أكثر إيلامًا ودموية.

وشدّد المجالي على أن الاعتداء على أرواح الأبرياء، في أي مكان وتحت أي ذريعة، جريمة لا يمكن تبريرها ولا تمتّ للإنسانية بصلة، مشيرًا إلى أن استهداف أناس اجتمعوا لتوديع أحبّتهم يمثّل مشهدًا بالغ الألم، ويكشف عن فداحة الاعتداء على حق الإنسان في الحياة والأمان.

ولم يقف المجالي عند البعد الإنساني للجريمة، بل انتقل إلى دلالاتها الوطنية، محذرًا من أن يمتد أثرها إلى وحدة المجتمع الأردني وتماسكه، ومؤكدًا أن الرصاصات التي اخترقت أجساد المشيّعين لم تكن، في معناها الأعمق، موجهة إلى الضحايا وحدهم، بل استهدفت الأسرة الأردنية والوحدة الوطنية القائمة على العيش المشترك.

وفي هذا السياق، أكد المجالي أن هذه الجريمة لن تنال من عزيمة الأردنيين، الذين يقفون صفًا واحدًا خلف القيادة الهاشمية الحكيمة، مشددًا على أن الرد الوطني على مثل هذه الأحداث يجب أن يكون بمزيد من التماسك والثقة المتبادلة، والتمسك بقيم العيش المشترك، وعدم السماح للعنف بأن يمسّ روابط المجتمع وتاريخه في التآخي والتعايش.

وأشار إلى أن ما شهدته الكرك، رغم كونه حدثًا مؤلمًا وغير مألوف في تاريخ المدينة المعروف بالعيش المشترك، لا يغيّر من حقيقة أن الأردن سيبقى انموذجًا للاعتدال والتسامح، وأن قوة المجتمع تكمن في قدرته على تجاوز المحن، والتمسك بقيمه الوطنية والإنسانية، وتعزيز الثقة بين أبنائه.

وفي مداخلاتهم خلال الوقفة، أكد عمدا الكليات عن اعتزازهم بجهود الأجهزة الأمنية وتضحيات منتسبيها في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره، مشددين على أهمية الالتفاف حول مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة بدورها الوطني. كما وجّهوا رسائل مباشرة إلى الطلبة، دعوهم فيها إلى الحفاظ على المنجزات والمكتسبات الوطنية، والتحلي بالوعي والمسؤولية، وعدم الانسياق وراء الأفكار الهدّامة والخطابات المتطرفة التي تستهدف أمن المجتمع ووحدته. وشددوا على أن صون المنجز الوطني مسؤولية مشتركة، تتطلب وعيًا شبابيًا راسخًا، وتمسكًا بقيم المواطنة والانتماء، وتغليبًا للحوار والعقل، بما يعزز تماسك المجتمع ويحافظ على أمن الأردن واستقراره.

وتبرز في مضامين كلمة المجالي ومداخلات العمداء مسؤولية المؤسسات التعليمية في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وتعزيز وعي الشباب، وتحصينهم من الأفكار المتطرفة، بما يجعل الجامعة شريكًا فاعلًا في بناء مجتمع متماسك، يدرك مخاطر العنف ويتمسك بالحوار والتسامح واحترام كرامة الإنسان. فدور الجامعة لا يقتصر على التعليم وإنتاج المعرفة، بل يمتد إلى بناء الشخصية الواعية، وتعزيز المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.

ومن هنا، لم تكن وقفة جامعة الزيتونة الأردنية مجرد فعالية تضامنية عابرة، بل رسالة واضحة تؤكد أن الجامعات الأردنية جزء من الموقف الوطني العام، وأن رسالتها العلمية والتربوية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحماية المجتمع، وترسيخ الوعي، وتعزيز قيم العيش المشترك. كما جسّدت الوقفة تضامن الجامعة مع أهالي الكرك وذوي الضحايا، ورفضها لكل ما من شأنه تهديد أمن المواطنين أو النيل من وحدة الصف الوطني.

إن مواجهة العنف تبدأ برفضه بوضوح، ولا تكتمل إلا بتعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ احترام الحياة الإنسانية، والتمسك بوحدة المجتمع في مواجهة التحديات. وفي هذا الإطار، تؤكد جامعة الزيتونة الأردنية أن العلم مسؤولية، وأن الكلمة الواعية موقف، وأن المؤسسات التعليمية مطالبة بأن تظل منارات للوعي والاعتدال والانتماء الوطني.

رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا، وأدام على أبنائه نعمة التآخي والتماسك، وجعل وحدتهم الوطنية سدًا منيعًا في وجه العنف والكراهية.