حوشا... مدارس تتكاثر، والخدمات تتوارى!
أنباء الوطن -
المستشار الإعلامي / جميل سامي القاضي
رسالة إلى أصحاب القرار بداية نحن لسنا ضد المدرسة، ولسنا ضد التعليم، ولسنا ضد أي مشروع يخدم أبناء الوطن.
لكننا ضد التخطيط الذي يبني قبل أن يسأل: ماذا يحتاج الناس؟
وضد عقلية تعتبر إنجاز المشروع غاية، بصرف النظر عن مدى الحاجة إليه وأولويته.
في حوشا، ثمة سؤال مشروع ينبغي أن يصل إلى أصحاب القرار، لا أن يبقى همسا بين الأهالي:
هل ما يجري هو تخطيط تنموي حقيقي، أم مجرد تجميع لمشاريع لا يجمعها احتياج واضح؟
لدينا في البلدة مدارس متجاورة بصورة لافتة.
ثانوية الذكور وحدها تضم نحو 101 غرفة صفية، و6 مختبرات، وقاعتين للرياضة، ومسرحا من أكبر مسارح مدارس محافظة المفرق، و24 غرفة صفية كبرى، وأكثر من 20 دورة مياه، وتخدم فقط نحو 290 طالبًا.
ثم جاءت مدرسة الثقافة العسكرية الأساسية، مع خالص الشكر والتقدير للقيادة العامة للقوات المسلحة الاردنية بدورها التنموي الكبير ، البناء حديث ومتميز ، وبلغ عدد من سجل فيها نحو 260 طالبا من مختلف مناطق القضاء.
وعلى بعد نحو 200 متر توجد ثانوية البنات، بمبناها ومرافقها الحديثة، وتخدم قرابة 200 طالبة، وبجانبها مدرسة أساسية للإناث، انخفض عدد طلبتها إلى نحو 49 طالبة بعد افتتاح المدرسة العسكرية.
إذن، أمامنا كتلة تعليمية ضخمة ومتقاربة.
وهنا لا بد من السؤال:
هل كانت هذه المشاريع نتيجة دراسة فعلية للاحتياجات السكانية والتعليمية ؟ أم أن السؤال عن الحاجة جاء بعد أن أصبح البناء قائما؟
نحن لا نطالب بإيقاف الاستثمار في التعليم، بل نطالب بأن يكون الاستثمار أكثر ذكاء وعدالة وارتباطا بحاجات المجتمع.
فإذا كانت لدينا منشآت تعليمية بهذا الحجم، فلماذا لا يعاد التفكير في جزء منها؟
أين المدرسة المهنية في حوشا؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بكل صراحة.
أبناء قضاء حوشا ليسوا بحاجة إلى أن يكون مستقبلهم محصورا في التعليم الأكاديمي التقليدي.
هناك طلاب يمكن أن يجدوا مستقبلهم في الكهرباء، والميكانيك، والإلكترونيات، والطاقة المتجددة، وصيانة المركبات، والتخصصات التقنية والمهنية التي يحتاجها سوق العمل.
والدولة نفسها تتحدث عن التوسع في التعليم المهني والتقني وربط التعليم بسوق العمل.
فلماذا لا تكون حوشا نموذجا لهذا التوجه؟
لماذا نبني من جديد إذا كان بالإمكان إعادة توظيف منشآت قائمة وتحويل إحداها إلى مدرسة مهنية شاملة تخدم أبناء القضاء والمناطق المحيطة؟
ولماذا لا ننتقل من ثقافة "كم مشروعا أنجزنا؟" إلى ثقافة "كم حاجة حقيقية لبينا؟"
وهذه ليست المشكلة الوحيدة.
فإذا كانت المدرسة موجودة، فأين الخدمات الأخرى؟
أين المركز الصحي الذي يليق بالمنطقة؟
أين الحديقة التي يلعب فيها أطفالنا؟
أين مركز الخدمات المجتمعية؟
أين الملعب وعلى اقل تقدير ( السداسي) الذي يجد فيه شبابنا متنفسا ومكانا لممارسة الرياضة؟
أين الخطة التي تنظر إلى حوشا باعتبارها مجتمعا متكاملا له احتياجات صحية وتعليمية ورياضية واجتماعية وخدمية؟
هل التنمية تعني أن نبني مدرسة فقط؟
وهنا السؤال الأصعب:
من الذي يضع أولويات المشاريع في هذه المنطقة؟
ومن الذي يقرر أن الحاجة الأولى هي بناء مدرسة أخرى، بينما هناك احتياجات أخرى أكثر إلحاحا؟
وهل توجد جهة تراجع نتائج المشاريع بعد إنجازها وتسأل: هل استخدم المبنى بكامل طاقته؟ وهل حقق الهدف الذي أنشئ من أجله؟ وهل كان هناك مشروع آخر أكثر أولوية؟
هذه الأسئلة ليست ترفا.
إنها صميم الإدارة الرشيدة للمال العام.
فالمال الذي ينفق على مشروع غير ذي أولوية، هو مال حرم منه مشروع أكثر حاجة.
وهنا بيت القصيد.
نحن لا نريد لحوشا أن تكون مجرد رقم في قائمة المشاريع.
ولا نريد أن تقاس التنمية فيها بعدد الأبنية التي ارتفعت جدرانها.
نريد تنمية تقاس بعدد المشكلات التي حلت.
نريد مسؤولا ينزل إلى الميدان ويسأل الناس:
ما الذي تحتاجونه فعلا؟
لا أن يأتيهم المشروع جاهزا ثم يطلب منهم أن يقنعوا أنفسهم بأنه كان أولوية.
حوشا تحتاج إلى خطة تنموية متكاملة، لا إلى مشاريع متفرقة.
خطة تقول: هذه احتياجات التعليم، وهذه الصحة، وهذه الرياضة، وهذه الخدمات المجتمعية، وهذه احتياجات الشباب، وهذه أولويات البنية التحتية.
ثم ترتب المشاريع وفق الحاجة، لا وفق توفر الفرصة أو سهولة التنفيذ.
إن أبناء حوشا لا يطلبون أكثر من حقهم.
ولا يريدون معجزة.
يريدون فقط أن يكون هناك عقل تخطيطي يرى الإنسان قبل الحجر، والحاجة قبل المشروع، والأولوية قبل الميزانية.
ولذلك نقول لأصحاب القرار بكل احترام، ولكن بكل وضوح:
لا نريد مدرسة لمجرد أن لدينا أرضا.
ولا نريد مشروعا لمجرد أن هناك موازنة.
نريد مشروعا لأن هناك حاجة.
فإن كانت حوشا قد اكتفت من حيث الأبنية المدرسية، فليكن السؤال القادم:
متى نرى المدرسة المهنية؟
ومتى نرى الحديقة؟
ومتى نرى الملعب؟
ومتى نرى المركز المجتمعي؟
ومتى نرى تطوير الخدمات الصحية؟
ومتى تكون هناك خطة حقيقية تنظر إلى حوشا والقضاء كمنطقة لها مستقبل، لا كمجرد تجمع سكاني توزع عليه المشاريع؟
حوشا لا ينقصها البناء ينقصها ترتيب الأولويات.
وهذه ليست شكوى أهل بلدة.
إنها رسالة إلى أصحاب القرار:
التنمية ليست أن تبني أكثر... بل أن تبني ما يحتاجه الناس أكثر.

