هندسة!


أنباء الوطن -

استخدم جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين خلال ترؤسه اجتماعاً لمناقشة خطة عمل الحكومة لتشجيع الاستثمار وتطوير بيئة الأعمال تعبيراً ملفتاً للانتباه يمكن اعتباره الرقم السري أو حل اللغز الذي ما تزال الخطط الحكومية عاجزة على حله!

فقد أكد جلالة الملك ضرورة إعادة هندسة الإجراءات الحكومية لتخفيفها وتسهيلها على المواطن والمستثمر، فضلاً عن المتابعة الحثيثة والدورية لتنفيذ الإجراءات المتفق عليها، وبطبيعة الحال أعاد جلالته التذكير بما ظل ينادي به منذ سنوات من أجل تعزيز وتقوية جسور التعاون بين القطاعين العام والخاص بهدف تحسين الأداء الاقتصادي، تلك العلاقة التي لم تشهد أي تغير لا في مستواها، ولا في قيمتها وانعكاسها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، إنها علاقة تراوح في مكانها منذ زمن طويل.

لكن التعبير الذي ألمح إليه جلالة الملك بشأن إعادة هندسة الإجراءات الحكومية يستند إلى معرفة دقيقة بالأساليب المتبعة على المستوى الدولي، حيث يستخدمون ذلك المصطلح للدلالة على التغيير الجذري في إدارة المؤسسات عندما لا تفي إعادة الهيكلة والإجراءات الأخرى بحاجة المؤسسة إلى الاستمرار في إطار أو كيان عفى عليه الزمن، فتقوم بعملية بنائية جديدة لوظيفتها، وطريقة إدارة مصالحها ومعاملاتها، وفي ذلك ما يفسر ما قصده جلالة الملك بإعادة هندسة الإجراءات، التي لا تتحقق من دون إعادة هندسة المؤسسات.

وكم سرني هذا التوجيه الملكي الذي آمل أن ينظر المعنيون بالخطة بعين ثاقبة إليه، لأنه كما قلت مفتاح الحل، ولست أبالغ في ذلك أبداً، خاصة إذا نظرنا إلى المسألة من جميع جوانبها، لأنه بمجرد الحديث عن إعادة الهندسة فذلك يعني أننا سنعيد النظر في التشريعات والقوانين والأنظمة، وفي أساليب إدارة المؤسسات العامة والخاصة، وأن القائمين على تلك العمليات هم أشخاص مناسبون للتطور من هذا النوع، وغير ذلك من المؤشرات الإيجابية التي سيلمسها المستثمرون فلا يخشون على استثماراتهم عندما يلاحظون تخلف الإدارة مثلاً، وسيلمسها المواطن حين تنجز المعاملات بيسر وسهولة واحترام، فتزداد ثقته بالدولة والاطمئنان على حاضر ومستقبل أبنائه.

لن أكرر ما كتبته في ما لا يقل عن خمس مقالات حول ضرورة إعادة هندسة مؤسسات الدولة الرسمية والخاصة، لأن أداء الإدارة عندنا لم يعد يحتمل في عدم ملائمته لوضعنا الراهن، ولا لبرامج وخطط الإصلاح الشامل التي نمضي بها كما قال جلالة الملك خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الخلف في تحسين بيئة الأعمال، تلك البيئة التي تتأثر سلباً أو إيجاباً بعقلية الإدارة!

ما معنى ذلك؟ معناه أن نعترف بأن معظم ما نحن فيه من وضع اقتصادي مقلق للغاية ناجم عن العناد والتردد في الاعتراف بأنه لا بدّ من تغيير مفاهيم الإدارة العامة في بلدنا من جذورها، وهذا لا يعني أننا نتنكر لها، ولكنها اليوم أمام اختبار مهم جداً، فإما أنها عظيمة لأنها أنجبت التغيير، وإما أنها عقيمة بحاجة للتغيير، وعلى كل حال جلالة الملك أعطى مفتاح اللغز للقائمين على الخطة، فهل فهموه؟!