فشل التفاوض و انسحاب نائب الرئيس الأمريكي


أنباء الوطن -

 

 

د . راشد الشاشاني 

 

سقطت في الساعات الاخيرة قلعة الامل التي بناها العالم متوهّما ؛ بفعل اتساع رقعة الانباء حول تقاربات ونقاط تواصل جدية جمعت فريقي التفاوض الأمريكي والايراني ، سرعان ما انهار هذا التحصين المتأمَّل على غير بصيرة ؛ باعلان نائب الرئيس الامريكي فشل المفاوضات ، وان ظل الحديث حول استمرار العملية التفاوضية في مقابل خسارة جولة منها امرا مستمر الصلاحية . 

 

لم ترُقْ لنا فكرة التنازلات السريعة التي قدمها الطرفان - وفقا لما تناقلته وسائل اعلام العالم كله - كعادتنا لا تسوقنا التعاميم الى تغيير وجهة نظرنا ؛ التي قررنا فيها مسبقا : ان مفاوضات كهذه قامت على اساس تشكيل مخرج طواريء لكلا الفريقين المتناحرين . نخصّص حديثنا حول فانس باعتبار انه كان طوال الفترة السابقة معقلا لآمال الانفراج بين المتحاربين ، سندخل حديثنا من حيث ذكرنا سابقا : ان فانس يشكل حلقة مترابطة من حلقات ادارة ترامب ، ومفصلا من مفاصل تحريك قيادته ؛ فهو بالتالي : لم يكن صاحب بصيرة خاصة ولا فكرة اكثر قياسا للوقائع ؛ مذكّرين ان ورورد اسمه في تصريحات الايرانيين ؛ كان وسيلة لردٍّ ايراني بسلاح مناسب مماثل على استخدام اسم قاليباف لذات فكرة شقّ صف العدو ، وقلب قياداته داخليا . 

 

أدّت ظروف ادارة المعركة السابقة الى اضطرار " هذين الأملين " للالتقاء فوق اركان الخديعة التي ارادها كل طرف بخصمه ، غير ان الايرانيين كانو اكثر براعة في ادارة المقالب ؛ باعتبار جهل الأمريكيين بطبيعة التملّص والمراوغة التي يتمتّع بها الايرانيون ، وان كانت الولايات المتحدة صاحبة علامة مائزة في هذا المجال ، وبغض النظر عن حديث سخيف جدا حول اهمية صحّة واقعة المصافحة بين فانس وقاليباف واثرها من حيث الدلالة . 

 

في مقابل توتّر الخداع هذا : ظهر لغير الايرانيين ما كان معلوما لقيادة ايران ؛ وهو : احتياط ينذر بان الولايات المتحدة تُشاغل العالم وايران ؛ بغية الحصول على فرصة ما ، تسوقها الظروف المتغيّرة بين لحظة و اخرى ؛ للاجهاز على النظام الايراني ، ظهر هذا التحذير في نشر باكستان مقاتلات في السعودية وفقا لاتفاقية الدفاع المشترك 2025 ؛ لصد هجمات ايرانية متوقعة .

 

 نشر المقاتلات هذا : لم يكن وحده مَداراً للتّساؤل حول حالة الحياد التي يجب ان يتمتع بها الوسيط ؟ سيّما في إطار نزاع وصل به الحدّ الى ان يكون دوليا ؛ باعتبار تاثيره ، منوّهين الى : ان هذا لا يعني حربا عالمية ، لأنها في نظرنا ليست سوى فكرة بعيدة ، اضف الى ذلك استمرار تزويد إسرائيل بالعتاد العسكري من قبل الولايات المتحدة ، حتى في ظل سريان وقف اطلاق النار .

 

في صعيد متصل بهذا المدار : ذكرنا ان ترامب لن يسمح لغيره بحمل مشعل السلام ؛ فهو لهذا : لا يريد لمفاوضات مهما كان نوعها ان تتم ، ولو حصل ذلك ؛ فعلى هذه المفاوضات ان تنتهي باتفاق يؤسس لفرصة سريعة لنقضه ، لقد بدا هذا جليّا بفعل حالة المفاجأة التي اذهلت العالم ، حين التقط انفاسه عند اقتراب ساعة الصفر التي كانت ستبيد " حضارة بأكملها " وفقا لترامب ، لكن هذا العالم عاد بعد لحظات وأطلق العَنانَ لأنفاسه دون ان يعلم سبب هذا التحوّل .

 

تصريح ترامب الأخير قبل اعلان فانس فشل التفاوض ، والذي كرّر ترامب فيه اعلان نصره مرات عدّة بعبارات سريعة الإيقاع ، لكن هذه المرة كانت فيها علامات ارتباكه اكثر وضوحا ، كان هذا التصريح مقدمة لاعلان فانس حول فشل المفاوضات ، علاوة على تكثيف وسرعة جلسات التفاوض التي انبأت ـ بسيرها غير الطبيعي ـ بهذه النتيجة ، فانس لم يغادر من تلقاء ذاته ، لقد غادر بأمر من ترامب ؛ خشية انزلاق الامور الى حد يضطر فيه ترامب الى تقديم تنازل لم يكن بحسبانه ؛ بعد انكشاف صلابة الفريق الايراني ، وعدم اكتراثه بنتائج فشل التفاوض ، في مقابل ارتفاع تكلفة استئناف الضربات الامريكية عمّا كان عليه الحال فيما لو تواصلت دون انقطاع وقف اطلاق النار هذا ، من اجل ذلك اختار ترامب ـ غير موفق ـ تكتيك الحصار البحري .

 

 علينا ان لا نَنسى امْتعاظ الولايات المتحدة من اتفاقية دفاع باكستان - السعودية ، في محاولة لتخفيف تأثير الاعتماد عليها ، اضافة الى طبيعة علاقة رئيس اركان الجيش الباكستاني بالولايات المتحدة ؛ التي لم تغب عن بال المسؤولين في ايران ، الذي ظلّوا يتعاملون معها منذ البداية حتى اللحظة .